ابن الجوزي

76

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

سعد ، قالوا : امض ، فمضى حتى دخل مصر ، فافترق أهل مصر فرقا ، فرقة دخلت في الجماعة وكانوا معه ، وفرقة وقفت واعتزلت ، وقالوا : إن قتل قتلة عثمان فنحن معكم ، وإلا فنحن على جديلتنا ، وفرقة قالوا : نحن مع عليّ ما لم يقد إخواننا ، فكتب قيس إلى عليّ بذلك . وأما عثمان بن حنيف ، فسار فلم يرده أحد عن دخول البصرة ، ولم يوجد في ذلك لابن عامر رأي ولا حزم ولا استقلال بحرب ، فافترق الناس فاتبعت فرقة القوم ، ودخلت فرقة في الجماعة ، وفرقة قالت : ننظر ما يصنع أهل المدينة فنصنع كما صنعوا . وأما عمارة فأقبل حتى إذا كان بزبالة ردّ وانطلق عبيد الله إلى اليمن ، ولما رجع سهل بن حنيف من طريق الشام دعا طلحة والزبير ، فقال : إن الَّذي كنت أحدثكم [ 1 ] قد وقع ، وسأمسك الأمر ما استمسك ، فإذا لم أجد بدّا فآخر الدواء الكي . وكتب عليّ إلى أبي موسى ومعاوية ، فكتب إليه أبو موسى بطاعة أهل الكوفة وبيعتهم ، وبين الكاره منهم والراضي ، وكان الرسول إلى أبي موسى معبد الأسلمي ، وكان الرسول إلى معاوية سبرة الجهنيّ ، فلما قدم على معاوية لم يكتب معه شيء ولم يجبه ، حتى إذا كان في الشهر الثالث من مقتل عثمان في صفر ، دعا معاوية برجل من بني عبس يدعى قبيصة ، فدفع إليه طومارا مختوما ، عنوانه : من معاوية إلى عليّ ، فقال له : 28 / أإذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل الطومار ، ثم أوصاه / بما يقول ، وسرح رسول عليّ معه ، فخرجا فقدما المدينة في غرة ربيع الأول ، فلما دخلا المدينة رفع العبسيّ الطومار كما أمره ، وخرج الناس ينظرون إليه ، فتفرقوا إلى منازلهم وقد علموا أن معاوية معترض ، ومضى الرسول حتى دخل على عليّ رضي الله عنه ، فدفع إليه الطومار ، ففض خاتمه فلم يجد في جوفه كتابة ، فقال للرسول : ما وراءك ؟ قال : آمن أنا ؟ قال : نعم ، إن الرسل آمنة لا تقتل ، قال : ورائي أني تركت قوما لا يرضون إلا بالقود ، قال : ممن ؟ قال : من نفسك ، وتركت ستين ألف شيخ يبكي تحت قميص عثمان وهو منصوب لهم ، قد ألبسوه منبر دمشق ، فقال : أمني يطلبون دم عثمان ، ألست موتورا أكره قتل عثمان ، اللَّهمّ

--> [ 1 ] في الطبري : « كنت أحذركم » .